
جراحة الصرع: متى تكون ضرورية؟
جراحة الصرع هي خيار علاجي يُقيَّم لدى المرضى الذين يعانون من نوبات مقاومة للأدوية. تقدم الأساليب الجراحية الاستئصالية والتلطيفية، إلى جانب بدائل مثل تحفيز العصب المبهم والتحفيز العميق للدماغ، نهجاً علاجياً شاملاً.
إن المرضى الذين يُحالون إلى طبيب أعصاب لتقييم العلاج الجراحي ليسوا بالضرورة سيخضعون للعملية. يجب أن يمروا أولاً بسلسلة من الفحوصات قبل الجراحة تستمر أسابيع، وأن تُناقش طريقة الجراحة المناسبة. بعد ذلك، قد يُقرر أن المريض ليس مرشحاً جيداً ويجب وضع خطط علاجية بديلة.
ما هي جراحة الصرع ومتى تُطبَّق؟
قبل اتخاذ قرار العلاج الجراحي، يجب إثبات أن نوبات المريض مقاومة للعلاج الطبي. لهذا السبب، يجب أن يتناول المرضى الأدوية لمدة لا تقل عن سنتين. يجب تجربة ما لا يقل عن 2 إلى 3 أدوية مضادة للصرع مناسبة بشكل فردي ومشترك، بجرعات وفترات زمنية كافية. يجب زيادة هذه الأدوية تدريجياً حتى تُضبط النوبات أو حتى تظهر آثار جانبية مرتبطة بالجرعة غير مقبولة. في المرضى الذين تكون نوباتهم ناجمة عن اضطراب هيكلي في الدماغ كورم أو تشوه وعائي، يمكن اتخاذ قرار العلاج الجراحي في وقت أبكر. يكون كلٌّ من مقاومة الأدوية ونسبة نجاح الجراحة مرتفعَين في هذه الحالات. كلما طالت مدة عدم السيطرة على النوبات، كلما انخفضت احتمالية نجاح ضبطها بعد الجراحة وارتفع خطر ظهور مضاعفات نفسية واجتماعية.
أنواع جراحة الصرع وإجراءاتها
هناك نوعان رئيسيان من جراحة الصرع. الأول والمفضَّل هو إزالة البؤرة الصرعية نفسها (الجراحة الاستئصالية). والثاني يهدف إلى تقليل انتشار النوبات وتكرارها وشدتها عن طريق قطع مسارات انتشار النوبات (الجراحة الوظيفية، الجراحة التلطيفية).
تُطبَّق الأساليب الجراحية الاستئصالية الرامية إلى القضاء التام على النوبات على المرضى الذين يعانون من نوبات ذات بداية جزئية، أي نوبات تبدأ من بؤرة محددة. كما ذُكر أعلاه، هؤلاء مرضى أُثبتت مقاومتهم للأدوية بعد تناول عدد كافٍ من الأدوية بجرعات مناسبة ولمدد كافية، وتنخفض جودة حياتهم بشكل ملحوظ. إذا كانت البؤرة الصرعية في جانب واحد من الدماغ وفي موقع آمن نسبياً — أي أن الوظائف المعرفية المهمة كالقدرة الحركية والذاكرة والكلام والرؤية لن تتأثر بعد الجراحة — فيجب تحديد الأسلوب الجراحي دون تأخير مفرط. لا يمكن اتخاذ هذا القرار إلا بعد الفحوصات قبل الجراحية. قبل الجراحة، تجري فريق متعدد التخصصات مكوَّن من أطباء أعصاب وجراحي أعصاب وأطباء أشعة وأخصائيي أعصاب نفسية وأطباء نفسية سلسلةً من الاختبارات لتحديد ما إذا كان المريض مؤهلاً لهذا النوع من الجراحة.
يعتمد نجاح الجراحة الاستئصالية على اختيار المريض ونوع الصرع وموقع البؤرة الصرعية والتحقيقات قبل الجراحية. يواصل المريض تناول الأدوية لمدة 1 إلى 2 سنة بعد العملية. إذا لم تعد النوبات تحدث، تُخفَّض الأدوية تدريجياً ثم تُوقَف.
تُجرى الجراحة التلطيفية (الوظيفية) للصرع لدى المرضى غير المؤهلين للجراحة الاستئصالية، بهدف قطع مسارات انتشار النوبات — وبذلك عزل البؤرة الصرعية عن بقية الدماغ ومنع انتشار النوبات. وتُستخدم في النوبات المعممة الثانوية المقاومة للعلاج وفي النوبات الارتخائية التي تتسم بنوبات سقوط مفاجئة.
تحفيز العصب المبهم (TNS — محفز العصب المبهم)
يعدّ «تحفيز العصب المبهم (TNS — محفز العصب المبهم)»، الذي طُوِّر في السنوات الأخيرة ويُعرَف شعبياً بعلاج «البطارية»، أسلوباً جراحياً وظيفياً أيضاً. يعمل عن طريق إرسال تيار كهربائي إلى الدماغ عبر العصب المبهم الذي يمتد على الجانب الأيسر من الرقبة. في عملية صغيرة، يُوصَل قطب كهربائي بالعصب المبهم وتُزرَع البطارية في جيب يُنشأ تحت الجلد في منطقة الصدر الأيسر. تعمل البطارية تلقائياً وترسل نبضات كهربائية صغيرة جداً إلى الدماغ على فترات قصيرة جداً وفقاً للبرنامج المضبوط. وهو أسلوب سهل التطبيق ويُستخدم — كغيره من الجراحات الوظيفية — بهدف تحقيق ضبط النوبات.
يستهدف التحفيز العميق للدماغ (DBS) للصرع النواة الأمامية للمهاد (ANT)، وهي جزء من الشبكة المشاركة في توليد النوبات وانتشارها في الدماغ. تُزرَع أقطاب كهربائية بشكل ثنائي في ANT لتوفير تحفيز كهربائي متحكَّم به لتعديل هذه الشبكة. وقد تم تحديد السلامة والفعالية طويلتَي الأمد لعلاج DBS للصرع على مدى متابعة 7 سنوات في التجربة السريرية العشوائية المضبوطة «SANTE» (تحفيز النواة الأمامية للمهاد في الصرع).
التعافي وإعادة التأهيل بعد جراحة الصرع
تتباين عملية التعافي بعد جراحة الصرع من مريض لآخر، لكنها تُقيَّم عموماً على عدة مراحل. في الفترة المبكرة بعد العملية، قد يحدث صداع وإرهاق وأعراض عصبية مؤقتة، ويُراقَب المريض عن كثب خلال هذه المرحلة. في الأسابيع التالية، تُرصَد وتيرة النوبات، ولا يُوقَف العلاج الدوائي عادةً فوراً بل يُخفَّض تدريجياً. قد تشمل عملية إعادة التأهيل نهجاً متعدد الأبعاد يتضمن العلاج الطبيعي والدعم النفسي وعلاج النطق عند الاقتضاء. يُعدّ التخطيط الفردي مهماً لمساعدة المرضى على العودة إلى حياتهم اليومية ونشاطهم المهني والاجتماعي. يحدد الانتظام في المتابعة والعمل الجماعي نجاح هذه العملية.
المخاطر ونسب النجاح في جراحة الصرع
كما هو الحال في أي تدخل جراحي، ثمة مخاطر معينة في عمليات الصرع. تشمل هذه المخاطر العدوى والنزيف والاضطرابات العصبية المؤقتة أو الدائمة (التي تؤثر في الكلام والذاكرة والمهارات الحركية). غير أن هذه المخاطر منخفضة جداً في الحالات المنتقاة بعناية. يتفاوت نجاح الجراحة بحسب نوع الصرع وموقع بؤرة النوبات والمنطقة الدماغية التي تُجرى فيها العملية. في استئصالات الفص الصدغي — إحدى العمليات الأكثر شيوعاً — تبلغ نسبة الخلو من النوبات نحو 60 إلى 80 بالمئة. وتُقلَّل المخاطر من خلال التقييم العصبي التفصيلي والتصوير والاختبارات.
ما هي بدائل العلاج الجراحي؟
تتوفر لدى المرضى غير المؤهلين للجراحة أو غير الراغبين فيها عدة خيارات علاجية بديلة. أبرزها تحفيز العصب المبهم (TNS)، حيث يرسل جهاز مزروع في جدار الصدر نبضات منتظمة إلى الدماغ للحد من وتيرة النوبات. خيار آخر هو التحفيز العميق للدماغ (DBS) الذي يُفضَّل بشكل خاص في حالات الصرع المقاوم للعلاج. علاوة على ذلك، قد تُسهم العلاجات الغذائية كالحمية الكيتونية في ضبط النوبات لدى بعض المرضى. قد لا تُعطي أيٌّ من هذه الأساليب نتائج حاسمة كالجراحة، لكنها قادرة على تحسين جودة الحياة بشكل ملموس لدى المرضى المناسبين.